الغزالي

148

إحياء علوم الدين

وقال أبو موسى ، [ 1 ] قلت يا رسول الله ، الرجل يحب المصلين ولا يصلى ، ويحب الصوام ولا يصوم حتى عد أشياء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم « هو مع من أحبّ » وقال رجل لعمر بن عبد العزيز ، إنه كان يقال إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما فإن لم تستطع أن تكون عالما فكن متعلما ، فإن لم تستطع أن تكون متعلما فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم . فقال سبحان الله ، لقد جعل الله لنا مخرجا فانظر الآن كيف حسدك إبليس ، ففوت عليك ثواب الحب ، ثم لم يقنع به حتى بغض إليك أخاك ، وحملك على الكراهة ، حتى أثمت . وكيف لا ، وعساك تحاسد رجلا من أهل العلم ، وتحب أن يخطئ في دين الله تعالى ، وينكشف خطؤه ليفتضح ، وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم ، أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم ، وأي إثم يزيد على ذلك ! فليتك إذ فاتك اللحاق به ، ثم اغتممت بسببه ، سلمت من الإثم وعذاب الآخرة وقد جاء في الحديث [ 2 ] « أهل الجنّة ثلاثة المحسن والمحبّ له والكافّ عنه » أي من يكف عنه الأذى ، والحسد ، والبغض ، والكراهة . فانظر كيف أبعدك إبليس عن جميع المداخل الثلاثة ، حتى لا تكون من أهل واحد منها البتة ، فقد نفذ فيك حسد إبليس وما نفذ حسدك في عدوك ، بل على نفسك . بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمى سهما إلى عدوه ليصيب مقتله ، فلا يصيبه ، بل يرجع إلى حدقته اليمنى ، فيقلعها ، فيزيد غضبه ، فيعود ثانية ، فيرمى أشد من الأولى ، فيرجع إلى عينه الأخرى ، فيعميها ، فيزداد غيظه ، فيعود ثالثة ، فيعود على رأسه فيشجه ، وعدوه سالم في كل حال ، وهو إليه راجع مرة بعد أخرى ، وأعداؤه حوله يفرحون به ، ويضحكون عليه . وهذا حال الحسود وسخرية الشيطان منه